الكسل

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الكسل, اليوم السبت 29 مارس 2025 09:19 صباحاً

إن المقالات المنشورة في خانة "مقالات وآراء" في "النشرة" تعبّر عن رأي كاتبها، وقد نشرت بناء على طلبه.

تمرّ الثواني، تتسارع الدقائق، تتوالى الأيام والسنون، ويجري العمر بنا في غفلة، كلمح البصر. ننظر خلفنا بحسرة على لحظات مضت دون أن نترك فيها بصمة، أو نستثمرها فيما ينفع. فحياة الإنسان قصيرة، مهما امتدت، ومهما أغدق الله عليه من بركاته، يظل الموت الحقيقة الحتمية التي لا مهرب منها. ومع ذلك، فإنّ آلام الحياة لا تفارقنا؛ من تعب الجسد، وأمراضه، وتقلبات الأيام ومشقاتها. وهكذا تنقضي حياتنا سريعًا، لكن تبقى ذكرياتنا، وأعمالنا، وأثرنا الذي زرعناه على هذه الأرض، ليكون ميراثًا تتناقله الأجيال.

نتأمل في محطات حياتنا، تلك التي أحسنا فيها، وتلك التي تعثرنا عندها، ولكن في النهاية، نجد أنفسنا نندم على الأوقات التي أضعناها دون هدف، ودون تحقيق مقصد سامٍ. فالوقت هو كنز ثمين، إن أهدرناه، لن نسترجعه. وفي تراثنا المسيحي، يُعتبر الكسل خطيئة، لأن الكسول يتذرع بالأعذار، ويدور في حلقة مفرغة من الفشل والتخاذل. الكسل ليس مجرد استرخاء، بل هو حالة من التراخي، وانعدام الرغبة في العمل والإنجاز. إنه نقيض النشاط والعطاء، حيث يقتل الكسول وقته بدلًا من أن يستثمره، وقد يكون موهوبًا لكنه يهمل موهبته، أو يمتلك الفرص لكنه لا يغتنمها.

بالطبع، يحتاج الإنسان إلى فترات من الراحة، حتى أن الرب يسوع قال لتلاميذه: "تَعَالَوْا أَنْتُمْ مُنْفَرِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَاسْتَرِيحُوا قَلِيلاً" (مرقس ٦: ٣١)، ولكن الفرق شاسع بين راحة قصيرة تعيننا على استكمال المسيرة، وبين كسل يمتدّ ويشلّ الإرادة. فكما أنّ الكسل يؤدي إلى أمراض الجسد، فإنه أيضًا يقود إلى الشلل الروحي، ويضعف علاقتنا بالله. وقد حذّر الرسول بطرس من هذا حين قال: "لَا مُتَكَاسِلِينَ وَلَا غَيْرَ مُثْمِرِينَ لِمَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (2 بطرس 1:8). وكذلك أوصى الرسول بولس قائلًا: "غَيْرَ مُتَكَاسِلِينَ فِي الاجْتِهَادِ، حَارِّينَ فِي الرُّوحِ، عَابِدِينَ الرَّبَّ" (رومية 12:11). فالمجتهد وحده هو الذي يحقق التقدّم، بينما المتراخي يتراجع إلى الوراء.

حذّر القديس أفرام السرياني من الأهواء الشريرة التي تسقط الإنسان في فخّ الشرير، وكان الكسل أحدها، لأنه يعطّل مشروع القداسة في حياة الإنسان، إذ يمنعه من عيش الإنجيل والعمل به. فالبطالة الروحية والجسدية تحدّ من جهادنا، في حين أنّ الإنسان النشيط يبتعد عن الرذائل، ويبتكر الخير، ويشغل نفسه بما هو نافع، سواء في حياته العملية أو في علاقته مع الله.

ويقدم لنا المسيح في مثل الوزنات صورة واضحة عن خطورة الكسل، حيث وبّخ العبد الذي طمر وزنته في الأرض بدلًا من استثمارها، قائلاً له: "أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ وَالْكَسْلَانُ" (متى 25:26). فالمواهب التي أودعها الله فينا ليست للدفن والإهمال، بل للنمو والإثمار، وإلا صرنا عبيدًا بطّالين لا قيمة لهم.

العمر يمضي سريعًا، لكن الفرق بين إنسان وآخر هو ما يتركه من أثر. الجادّون يملأون الأرض بحضورهم، وأعمالهم تظلّ شاهدة عليهم حتى بعد رحيلهم، أما الكسالى فيمرّون مرور الكرام دون أن يُذكر لهم فضل أو يُخلّد لهم أثر. فلنحذر من الكسل، ولنحيط أنفسنا بالمجتهدين، مقتدين بالرسول بولس الذي قال: "أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ. فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَيْتُكُمْ أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنَّكُمْ تَتْعَبُونَ وَتَعْضُدُونَ الضُّعَفَاءَ، مُتَذَكِّرِينَ كَلِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ أَنَّهُ قَالَ: مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ" (أعمال 20:34-35).

فلنكن من المجتهدين، الساعين، المثمرين، الذين يحيون حياة ذات معنى، ويرحلون تاركين خلفهم إرثًا من الخير والبركة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق