واقعة عيد الفطر.. تطبيع مع الانحلال الأخلاقي

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
واقعة عيد الفطر.. تطبيع مع الانحلال الأخلاقي, اليوم الجمعة 4 أبريل 2025 10:45 مساءً

خلف شريط فيديو مصور على وسائل التواصل الاجتماعي، بمناسبة الاحتفال بعيد الفطر في أحد أحياء مدينة طنجة، يظهر فيه أحد الشباب، والمعروف بميوله الفني الغنائي، وهو يؤدي أغنية شعبية تتضمن كلمات نابية وإيحاءات لتصرفات مشينة، مثل شرب الخمر ومخالفة القانون، ردود أفعال مستنكرة من طرف زوار هذه المواقع، خصوصًا وأن هذه الأغنية قد تم ترديدها أمام أطفال صغار ومراهقين. ما أعاد إلى الواجهة مسألة تربية الناشئة، حيث لم يحترم هذا الشاب لا حرمة عيد الفطر وقدسيته الدينية، ولا قدر الفئة السنية التي يستهدفها.

غير أن المثير في الأمر هو التجاوب الكبير من طرف الأطفال مع كلمات هذه الأغنية، وهو ما يجعلنا نطرح عدة تساؤلات حول منظومة القيم السائدة في المجتمع، خصوصًا في أوساط الناشئة التي تعتبر العمود الفقري للمجتمع المستقبلي.

في ظل غياب دور الشباب والأندية التربوية داخل المؤسسات التعليمية، التي كانت تساهم بشكل كبير في تربية الناشئة وزرع قيم الاحترام والانضباط، وتراجع مؤسسات التنشئة الاجتماعية بكل أنواعها (الثقافية، والسياسية، والتربوية...) عن لعب دورها الأساسي في المجتمع، بالمساهمة في تربية الأجيال وتلقيحها ضد فيروسات الميوعة واللامبالاة والانحلال الأخلاقي، وفسح المجال لتسود منظومة التفاهة على حساب القيم الأخلاقية، وتشجيع القدوات الفاسدة وتضخيمها بمباركة عديد المؤسسات، وعلى رأسها جزء كبير من الإعلام، الذي يستضيف شخصيات تنشر، من خلال لباسها وأسلوب حوارها والأفكار التي تروج لها، فكرة أن المجتمع قد تغير، وأن الدراسة والتحصيل العلمي لم يعودا مهمين من أجل أن تكون سعيدًا أو غنيًا.

وكذلك بعض المهرجانات والمناسبات الفنية الرسمية التي يتم استغلالها لنشر التطبيع مع الكلام الفاحش، أعلى المنصات وأمام جمهور مختلط يتضمن الابن والأب والجد والحفيد. كما أن ضرب المدرسة في العمق، على اعتبارها أهم مؤسسة تربوية، ربما أهم حتى من الأسرة في حد ذاتها، ساهم في انتشار الانحلال الأخلاقي، حيث تمت محاربة أفكار إلزامية ارتداء هندام لائق، سواء للذكور أو الإناث، وتقليص سلطة الأستاذ على طريقة قص الشعر والتسريحات... عوامل وغيرها أدت إلى سيادة الانحلال على حساب الانضباط والتقييد بالقيم والأخلاق التي اشتهر بها المجتمع المغربي.

وفي ظل الانفجار الرقمي، الذي عوض استغلاله فيما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع، نصدم بالانتشار السريع لعديد الصفحات والمجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تنقل تجارب بعض المجرمين السابقين داخل السجون، ويروون قصصهم داخلها، ليس من أجل العبرة وتفادي وقوع الشباب في مثل أخطائهم، بل ليصوروا أنفسهم أبطالًا، ويحكون عن مغامراتهم وبطولاتهم المزعومة داخل الزنازين. بل تحولت هذه الصفحات والمجموعات إلى ساحة للصراع بين المجرمين وتبادل التهم، عوض نشر صفحات ومنصات رقمية تحكي عن شخصيات تاريخية مغربية أو عالمية، للاقتداء بهم والسير على خطاهم.وعندما لم يعد المجرم يخجل من جريمته، بل يصورها ويذيعها مباشرة على الوسائط الاجتماعية بوجه مكشوف، يتباهى بها ويفتخر، ويحمل السلاح الأبيض كأنه يحمل قلمًا أو هاتفًا.

 بل حتى الأسرة، التي تعتبر نواة المجتمع، تغيرت قيمها وثوابتها. فعندما نجد الأم، التي هي "مدرسة إن أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق"، أصبحت تشارك ابنتها وصلة رقص على منصات "تيك توك" أو قنوات "يوتيوب"، والزوج، المفروض فيه الغيرة على زوجته وأمه، أصبح يعرضهما كما لو أنهما سلعة، ويتم استغلالهما من أجل الكسب المادي أو تسلق درجات سلم الشهرة، ولو كان ثمن ذلك الفضيحة.

أكيد أن المجال المؤطر بالقانون والتشريع تتدخل فيه الأجهزة الأمنية بكل صرامة واستعجال، لكن المعركة أكبر من كونها معركة أمنية أو قانونية، فلا يمكن تخصيص شرطي أو دركي لكل مواطن، بل القضية هي معركة وعي وتحضر، تتطلب مساهمة كل القوى الحية والفاعلة في المجتمع للتعاون على بناء فرد صالح للمجتمع، حاضرًا ومستقبلًا. وهذا البناء هو بمثابة زرع يجب إعداد بذرته أولا، وتوفير الوسط الملائم، وتتبعه خلال كل مراحل نموه، لتقويم أي اعوجاج قد يصيبه خلال مساره، وإلا فإننا مهددون بالانقراض الحضاري.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق