حوار مع مريم

0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حوار مع مريم, اليوم السبت 5 أبريل 2025 04:10 صباحاً

يا قدِّيسة مريم المصريَّة قولي لي: «كيف أبكي خطيئتي؟».

- بفرح يا بنيَّ. بفرح. بفرح!

- كيف؟

- نعم بفرح التوبة.

- ولكنِّي قرأت كثيرًا عن الرهبان وغيرهم الَّذين لم تتوقَّف دموعهم عن الذرف وهم يطلبون مغفرة خطاياهم. وقرأت أيضًا عن صلاة يسوع وعن تكرار كلمة خاطئ فيها وطلب الرحمة. ألا نقول: «يا ربِّي يسوع المسيح، يا ابن الله الحيّ، ارحمني أنا الخاطئ» من دون توقّف؟ ألا نستجدي رحمة الربِّ وغفرانه؟ ألم تمسح المرأة الخاطئة الربَّ بدموعها؟ (لوقا 7: 38). ألم يبكِ بطرس بكاء مرًّا بعد نكرانه ليسوع؟ (لوقا 22: 62). فبالله عليك، كيف تقولين لي: «بفرح»؟

- نعم يا بنيَّ، أكرِّر لك ما قلته: «بفرح». فهناك بكاء وبكاء. هناك بكاء التائبين الَّذين بقدر ما عرفوا ثقل خطاياهم ورزحوا تحتها، بقدر ما عرفوا طعم الحرِّيَّة والتحرُّر، فلم يتوقَّفوا عن البكاء بغبطة لا توصف. وهذا البكاء يختلف كثيرًا عن الَّذي يترافق مع صرير الأسنان في جحيم الظلمة المهلكة، في جهنَّم وبهيميَّتها.

بكاء التائب عبور قياميٌّ ولقاء بالمخلِّص الفادي، ويترافق مع قلب يرتكض بحرارة محبَّة الربِّ وعطفه وحنانه، فيرقص روحه فرحًا ويشعر بسعادة لا توصف، ولا تترجم بكلمات. تصبح دموعه مثل النهر الجاري الَّذي يجرف كلَّ الأوساخ ليرميها في البحر. إنَّه بكاء فيض المحبَّة الإلهيَّة اللامتناهية، بكاء الطفل الفَرِح بين يدي والدته والمتَّكئ على صدرها الدافئ.

إنَّه ليس صراخًا ونحيبًا، بل تسبيح وتمجيد.

وأكملت: هل تتخيَّل يا بنيَّ ماذا شعرت المرأة النازفة لحظة لَمْسِها هُدْبَ ثوب يسوع فشفيت في الحال؟ (لوقا 8: 44). كم بكيت سنينًا من ألم المرض والنزيف طوال اثنتي عشرة سنة وهي ترجو الشفاء ولا تحصل عليه؟ هكذا نحن ننزف ألمًا من مرارة خطايانا إن لم نتب عنها.

هل يمكنك تصوُّر اللحظة الَّتي أبصر فيها الأعمى النور؟ ولحظة شفاء المخلَّع والأبرص والمرأة المنحنية وغيرها وغيرها؟

تذكَّر ماذا فعل الممسوس الَّذي كان نزيل القبور والوحدة عندما حرَّره الربُّ. فهو لم يجد مكانًا أكثر سلامًا وفرحًا وطمأنينة من قدمي يسوع ليجلس فيه ويستنشق عبير الحياة. جلس واستراح ودَمِعت عيناه دموع الولادة الجديدة. تقول الآية بأنَّه عندما خرجت منه الشياطين وجدوه «لابسًا وعاقلًا، جالسًا عند قدمَي يسوع» (لوقا 8: 35). عاد ولبس ثياب النعمة فاستتر بها وعاد يسلك الطريق المستقيم.

كذلك لا تنسَ لعازر الرباعيَّ الأيَّام الَّذي أنتن في الموت وأعاده الربُّ إلى الحياة. هكذا هي حال التائب، فهو يعبر من مرارة الخطيئة إلى حلاوة النعمة، من الموت الروحيِّ إلى الحياة في الربّ.

وحدّقت في عينيّ بدموعٍ ووجه فرحٍ سلاميّ نورانيّ وملائكيّ وقالت: أنظُر با بنيَّ رمال الصحراء الَّتي تحيط بنا، هل تستطيع إحصاءها؟ بالطبع لا. خطايانا فاقت هذه الرمال. تخيَّل كم دمعت عيناي فرحًا وطربًا وسعادة وغبطة وتهليلًا وتسبيحًا وتمجيدًا لمجرَّد أنَّ الربَّ تقبَّل توبتي. دموعي سبقت كلمات شكري، فكانت نبضات قلبي تعزف أنشودة الغلبة كما رنَّم موسى قديمًا مع الشعب التسبيحة للربِّ وقالوا: «الربُّ قوَّتي ونشيدي، وقد صار خلاصي. هذا إلهي فأمجِّده». موسى شهد لعظمة الربِّ وكيف أغرق مركبات فرعون وجيشه. وقد دعاه: «الربُّ رجل الحرب». وما أعظم قوله: «يمينكَ يا ربُّ تحطِّم العدوَّ» (خروج 15: 1-6).

هذا تمامًا ما حصل معي. بقدرة يمين القدُّوس، طرحتُ الشيطان عدوَّ الإنسان أرضًا. تسلَّحْ بالربِّ كلَّ لحظة وارفع قلبك إلى فوق، واصرخ له من عمق أعماق قلبك: «إنتشلني يا ربُّ من سقطاتي»، وسترى كيف سيرفعك إليه ويضمُّك إلى صدره.

وأردفت: أنظر إلى السماء، هل تستطيع أن تقيسها؟

- لا يا قدِّيستي، لا أستطيع.

- نعم، هكذا يفتح لك الربُّ سماءه ويغدق عليك نِعَمه بما لا يقاس لمجرد طلبك الغفران بصدق. يغمرك عطفه وينيرك نوره ويلهبك خلاصه فيصبح قلبك أوسع من السموات، وتصبح مثل النَّسر الَّذي يفتح جناحيه ويُحلِّق في الفضاء الشاهق.

فخذ منِّي هذه المقولة وانشرها:

«ميتٌ هو الَّذي يبقى في مرارة الخطايا الخدَّاعة والكاذبة، وحيٌّ هو القائم مع الربِّ القائم والناهض من بين الأموات. وتذكَّر أنَّ أبشع حالة يصل إليها الإنسان هي عدم الإحساس، عدم الإحساس بنفسه وبالآخر وبالله. وأجمل حالة هي المعترف بخطاياه لأنَّه أعظم من الَّذي يقيم الموتى، كما يقول القدِّيس إسحق السريانيُّ».

إلى الربِّ نطلب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق